نُشر في صحيفة " كنارياس 7" يوم الأحد 10نوفمبر 2024:
"في مؤسسة بيت افريقيا، أردنا أن نبدأ عملية إعداد خطتنا الاستراتيجية الجديدة للفترة 2025-2027 بالتعاون الوثيق مع المجتمع وجميع المؤسسات التي تشكل كياننا و تتعاون معنا. و تُعد هذه العملية الخاصة بمشاركة الجمهور أمرًا أساسيًا لضمان أن تعكس الخطة ليس فقط أهداف المؤسسة، بل أيضاً احتياجات وتطلعات ومساهمات أولئك الذين يسعون إلى تعزيز العلاقات بين إسبانيا وإفريقيا.
وبالتالي، فإن هذه الخطة هي نتاج تحليل دقيق وجماعي للسياق الراهن، حيث تم تحديد الفرص والتحديات الرئيسية في المجالات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والدبلوماسية. و من خلال ذلك، نسعى إلى تشكيل بيت افريقيا ككيان أكثر انفتاحًا وشمولية، ومتسقًا مع أولويات الضفتين، مع تعزيز دورها كمؤسسة دبلوماسية عامة مقرها جزر الكناري وملتزمة بتطوير علاقة قوية ومستدامة بين إسبانيا وإفريقيا.
خلال إعداد هذه الاستراتيجية، أجرينا تحليلًا شاملًا للعوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتكنولوجية التي قد تؤثر على آلية عملنا. و بفضل دراسة PESTEL "لتقييم العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والبيئية" )وهي منهجية تستخدمها العديد من الشركات والمؤسسات لتطوير تخطيطها الاستراتيجي عبر تحليل السياق الخارجي) ومراجعة السياسات الرئيسية لمنظمات مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، تمكنا من تحديد التحديات والفرص التي توجه أهدافنا.
تكتمل هذه الاستراتيجية بالخطة السنوية لعام 2025، وهي خطة تشغيلية سنوية تتضمن 33 برنامجًا، تشكّل العمود الفقري لأنشطتنا في مجالات الدبلوماسية العامة والاقتصادية والثقافية والرقمية والمؤسسية خلال العام القادم. وقد حرصنا على أن تعكس هذه البرامج الشفافية والالتزام الأخلاقي لبيت افريقيا، مع جعل الإدارة المفتوحة والتشاركية أولوية. وأود أن أوضح ذلك بجلاء: نحن لا نتصرف بدافع من الأحداث الراهنة أو تحت تأثير مبادرة معينة؛ بل نحن جزء من السياسة الخارجية الإسبانية، وبالتالي نسعى لضمان أن يكون كل شيء مترابطًا ومتسقًا دائمًا مع استراتيجية الدولة الإسبانية تجاه إفريقيا.
وأؤكد على أن الوثيقة لا تزال في مرحلة المشروع، في انتظار استكمال هذه العملية العامة وكذلك مراجعتها والمصادقة عليها من طرف الجهات الإدارية لدينا – وزارة الشؤون الخارجية وحكومة جزر الكناري و المجلس البلدي للاس بالماس دي غران كناريا – عبر مجلس إدارتنا.
من الجوانب التي أفتخر بها بشدة في العمل الذي أنجزته مجموعة دار افريقيا كفريق، أن الخطة الاستراتيجية الجديدة ترتكز على خمسة محاور رئيسية ستشكل جوهر أنشطتنا، وهي في الوقت نفسه تعكس صورة عملية وواقعية للوضع الراهن الذي تمر به القارة الافريقية والدور الذي يمكن لإسبانيا أن تضطلع به فيها.
1. الجيوسياسة والحوكمة: تُعد إفريقيا اليوم مركزًا جيوستراتيجيًا للقوى الكبرى نظرًا لنموها الاقتصادي، ووفرة مواردها، والتوسع الديموغرافي المتوقع، مما يجعلها تتموضع ليس فقط كمصدر للموارد، بل أيضًا كسوق ناشئة متنامية. ويهدف هذا الاهتمام إلى تعزيز الاقتصادات وتوسيع نفوذها في بيئة عالمية تتسم بالتنافس الشديد.
تحتل افريقيا مكانةً محورية في سياسات الأمن والتنمية بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وخصوصًا لإسبانيا. و قد دفعت التحديات المتعلقة بالاستقرار الإقليمي وإدارة الهجرة و القضايا البيئية الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز تعاونه مع أفريقيا ، حيث تلعب إسبانيا، نظرًا لقربها الجغرافي وروابطها التاريخية، دور الجسر الذي يعزز مقاربةً تعاونية معمقة تلبي احتياجات افريقيا.
و بدورها، تواجه افريقيا تحديات حرجة، تتمثل في عدم الاستقرار السياسي وانعدام الأمن، مما يبطئ وتيرة تقدمها ويعكس حدود النموذج المتعدد الأطراف الحالي. وتبرز هذه العقبات الحاجة الملحة إلى تعزيز الدبلوماسية العامة لتحقيق توافق وتفاهم مشترك.
إن دخول القيادة الافريقية في مواجهة تحدياتها الخاصة يُعد أمرًا جوهريًا، حيث تؤكد مؤسسات مثل الاتحاد الإفريقي ومنظمات إقليمية أخرى على أن الأفارقة هم من يجب أن يتولوا قيادة الحلول بأنفسهم، رافضين ما يسمى "الاستعمار الجديد" من قبل القوى الأجنبية. وتلعب مؤسسات مثل بيت افريقيا دورًا استراتيجيًا في تعزيز علاقة تقوم على الاحترام والشفافية، وفي مكافحة المعلومات المضللة التي تقوض الثقة في المؤسسات الإفريقية وتهدد مسيرة التقدم الديمقراطي في القارة.
2. التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة: على الرغم من أن افريقيا شهدت نموًا اقتصاديًا كبيرًا، إلا أن تحديات مثل الفقر المدقع وعدم المساواة ما زالت قائمة. وتقدم أجندة 2063 للاتحاد الإفريقي وأهداف التنمية المستدامة (ODD) خارطة طريق نحو تنمية شاملة. وإذ تلتزم إسبانيا بتحقيق هذه الأهداف، فهي تدرك أن افريقيا المزدهرة توفر استقرارا وتفتح فرصًا تجارية، من خلال تنويع الصادرات والاستثمارات في قطاعات رئيسية مثل الطاقة والبنية التحتية.
و تتيح المجالات الناشئة مثل التكنولوجيا المالية، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الأزرق فرصًا هامة للتعاون بين إفريقيا وإسبانيا، مع دور خاص لجزر الكناري. وتُعد الاستثمارات الأجنبية، وتدريب الشباب الإفريقي، والتحول نحو اقتصاد دائري ورقمي أمورًا أساسية لتحقيق هذه الأهداف.
3. تغير المناخ و الانتقال الطاقي: تواجه إفريقيا آثارًا خطيرة لتغير المناخ، مثل ارتفاع درجات الحرارة، والتصحر، والأحداث المناخية المتطرفة التي تهدد الأمن الغذائي والاجتماعي. و إدراكا من إسبانيا لهذه التحديات، فقد التزمت بالتعاون في التخفيف من آثار تغير المناخ ومشاركة المعارف والموارد لمواجهة هشاشة هذه المنطقة. و في إطار هذا التعاون، يُعدّ الأمن البشري أولوية لحماية المجتمعات الإفريقية من الأزمات البيئية.
يُعد الانتقال الطاقي مجالًا رئيسيًا آخر للتعاون بين إسبانيا وإفريقيا، تمتلك هذه الأخيرة إمكانات كبيرة في مجال الطاقة المتجددة – مثل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والهيدروجين الأخضر – مما يجعلها جاذبة للاستثمارات التي تعزز تنميتها وتساهم في خفض انبعاثات الكربون. وبفضل خبرتها في مجال الطاقة النظيفة، يمكن لإسبانيا أن تقدم معارفها لتعزيز القطاعات الرئيسية، مثل الهيدروجين الأخضر والطاقة الحرارية الأرضية ، من خلال خلق فرص عمل وتعزيز دور إفريقيا في الأجندة المناخية العالمية نحو مستقبل طاقي آمن ومستدام.
4. الهجرة: تواجه إسبانيا، التي تُعد وجهة للعديد من المهاجرين الأفارقة، هذا التحدي من خلال سياسات تشجع الاندماج والتعاون الدولي. وما وراء تنظيم التدفقات، توفر الهجرة فوائد عديدة: فهي تسد الشواغر الوظيفية وتحسن الإنتاجية وتثري التنوع الثقافي في إسبانيا، مما يجعل الهجرة فرصة للتنمية المشتركة.
يعد التعاون بين إسبانيا وإفريقيا أمرًا بالغ الأهمية لإدارة مستدامة وإنسانية للهجرة ، إذ يهدف إلى حماية حقوق المهاجرين وضمان وصولهم إلى الخدمات الأساسية لتجنب استغلالهم و توفير ظروف معيشية كريمة. ومن الضروري أيضًا مكافحة العنصرية وكراهية الأجانب التي يعاني منها المهاجرون الأفارقة، من خلال تعزيز اندماجهم الكامل والاعتراف بمساهماتهم.
وباعتبارها وجهة لإحدى أكثر مسارات الهجرة الإفريقية نشاطاً، تشجع جزر الكناري المبادرات التي تتناول هذه الظاهرة من جميع جوانبها، بهدف زيادة وعي المواطنين بأسبابها، وتعزيز التعاطف لمكافحة العنصرية وكراهية الأجانب.
5. المساواة والتنوع: تُعدّ المساواة والتنوع من الأمور الأساسية للتنمية الشاملة. و في أفريقيا، وعلى الرغم من التقدم الذي تم إحرازه، لا تزال النساء يواجهن التمييز والعنف القائم على الجنس والعوائق في مجالات التعليم والعمل. إن تمكين النساء أمر بالغ الأهمية لاستقرار المجتمع ونمو الاقتصاد في القارة. وإسبانيا، التي تلتزم بالمساواة، تُسهم في تعزيز المبادرات التي تهدف إلى تقليص هذه الفجوات ودعم حقوق النساء في أفريقيا وفي مجتمعها الخاص.
لقد أثرى الأشخاص من أصول أفريقية والتنوع الثقافي إسبانيا، على الرغم من استمرار مشكلات العنصرية والتمييز ضد المجتمعات ذات الأصول الأفريقية، مما يبرز ضرورة تبني سياسات شاملة. كما أن دعم حقوق مجتمع الميم LGBTI+ في أفريقيا، حيث لا يزال العديد من الأشخاص يواجهون الاضطهاد، أمر بالغ الأهمية أيضًا. ويشمل التزام إسبانيا بالمساواة والتنوع جميع الأقليات، بهدف بناء مجتمعات عادلة خالية من التمييز، حيث تتاح لكل فرد نفس الفرص للنمو والازدهار.
ختامًا، أود أن أشجعكم على المشاركة، أو على الأقل أن تكونوا فضوليين وتغتنموا فرصة التعمق في هذا المسار الممتع الذي نفتح له المجال. لا شك في أن هذه التجربة ستكون غنية على عدة مستويات: فهم موقعنا في العالم، والتعرف بشكل أفضل على القارة الإفريقية، وأيضًا، وهو أمر لا يقل أهمية، ممارسة حقنا في المشاركة العامة في مؤسسة تعتمد على الضرائب التي يدفعها جميع الإسبان.
اليوم، تظل مؤسسة "بيت إفريقيا" فريدة من نوعها بدورها في تعزيز العلاقات مع إفريقيا جنوب الصحراء في إطار الدبلوماسية العامة الإسبانية، دون ازدواجية مع كيانات أخرى في القطاع العام. و كلما فهم المواطنون دورهم وأهمية وجودهم في جزر الكناري، وعندما يعرف جيراننا بشكل أفضل ما نقوم به، سنخطو بلا شك خطوة أخرى نحو تحقيق ما تقوله شعارتنا: أن إسبانيا وإفريقيا تتقاربان بشكل متزايد."